المنجي بوسنينة

233

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

السلطة نتيجة انحسار دور الجزائر البحري وتضاؤل المداخيل المنجرة منه . كما واجهت الجزائر ضغوطا كبيرة من الدول الأوروبية المنتصرة على نابليون ، لوقف ما أسموه بالقرصنة ، ومن جهة أخرى كانت الدولة العثمانية عاجزة عن حماية « إيالتها » الغربية ، كما كانت عاجزة عن تغيير قادتها الذين أعلنوا استقلالهم عن الباب العالي . وحين توجه الشاب عبد القادر للحج مع والده محيي الدين وجد الشرق الإسلامي يمر أيضا بتطورات جديدة ، سواء في مصر على عهد محمد علي بتأثير الحملة الفرنسية هناك وتحديث الدولة بمساعدات فرنسية ، أو في الحجاز بتأثير الحركة الوهابية التي وإن كانت قد فشلت كقوة عسكرية سياسية للتغيير ، فإنها تركت بصماتها العقدية على المنطقة . أما من الجانب الفرنسي فقد كان هناك تحفز للقيام بحملة جديدة خارج أوروبا ، ولتكن هذه المرة ضد الجزائر وليس ضد مصر ، فمؤتمر فيينا ( 1815 ) وعودة المحافظين بزعامة شارل العاشر إلى حكم فرنسا لم يترك سوى اختيار المكان والزمان لاقتناص الضحية ، ذلك أن فرنسا قد تلقت التشجيع من الفاتيكان ومن دعاة الحرب الذين خسروا معركة « واترلو » في نهاية المطاف . وهكذا كان الجو مهيئا والمسرح جاهزا لمغامرة فرنسية جديدة ضد جزء هام من العالم الإسلامي ، وظهور فارس غير منتظر قادر على تحدي قادة المغامرة . فكان ذلك الفارس هو عبد القادر بن محيي الدين . كانت قرية القيطنة ، حيث ولد الأمير ، هادئة وديعة ترقد في سفوح وادي الحمام الخضراء بعيدة عن الحروب التي جرت حديثا في معسكر وهران بين السلطة العثمانية وبعض الطرق الصوفية كالتجانية والدرقاوية ، وكانت عائلة « المختاري » تتوارث زعامة الطريقة القادرية في المنطقة ، فإلى زاويتها يحج المريدون بصفة دائمة ومعهم الهدايا أو حق الزيارة لشيخ الطريقة ، لالتماس البركة منه أو حضور حلقة الذكر أو قراءة القرآن أو طلب الصلح ، وفي كل عام تقريبا كانت « الصرة » تخرج من القيطنة محمولة من ركب الحج المتجه إلى الحجاز ثم إلى بغداد حيث ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وحيث كان أحفاده يتلقون الزيارات السنوية ويقدمون بركات الشيخ وأوراده ونصائحه لخلفائه من شتى أنحاء العالم الإسلامي ، ومنه خليفته في الجزائر . وفي العهد الذي نتحدث عنه شارك في حمل الصرة إلى بغداد الشيخ مصطفى المختار ( جد الأمير ) الذي أدركته الوفاة في ليبيا أثناء عودته من الحج والزيارة . وكان محيي الدين ( والد الأمير ) هو الذي قام بالمهمة نفسها سنة 1827 واختار من أبنائه الأربعة أوسطهم ( عبد القادر ) ليكون رفيقا له في حجته وزيارته . وكان في القيطنة بالإضافة إلى ما ذكرنا ، مسجد للصلوات وحلقات الدرس ، وبيوت للغرباء ، وكانت لزاويتها أوقاف حبسها عليها أهل الخير والإحسان . وكان هذا المجمع الديني والروحي يضم أيضا مكتبة غنية بشتى أنواع الكتب في تخصصات مختلفة . وفي هذا المكان الذي تظلله الروحانية والقداسة ولد عبد القادر سنة 1808 ، ونشأ نشأة تكيفها الطبيعة الخلابة والأجواء الدينية المنعشة في